السيد محمد الصدر

57

بيان الفقه

والفرق بين الوجه الثالث والرابع أن ندّعي في الثالث : أنّ هذه النتيجة تحصل بالدقّة الهندسيّة ، كما تحصل بالتسامح العرفي المذكور في الوجه الرابع ، ولعلّ هذا هو مشهور الفقهاء المتأخّرين ، ولازمه أنّه لو لم تقتض الدقّة ذلك لما أفتوا باتّساع الجهة . إلَّا أنّ الصحيح عدم اقتضاء الدقّة ذلك ؛ لأنّ الخطوط المستقيمة يجب أن تنتهي بالدقّة بجدار الكعبة ، مهما كان البعد سحيقاً ، فليس في الجهة اتّساع يذكر أصلًا ، وإنّما يحصل التوسع في بعد المصلّي عن الكعبة ، وهذا أمر تكويني خارج عن محلّ الكلام وغير ملازم مع اتّساع الجهة ، كما هو واضح لمن يفكّر . فالصحيح عدم اقتضاء الدقّة ذلك ، ومع ذلك نقول باتّساع الجهة ؛ لأنّه ليس المدار في فهم ظواهر الكتاب والسنة هو الدقّة ، بل هو الفهم العرفي ، الذي يبتني عليه الوجه الأخير . ولا شك أنّ الصغرى « 1 » عرفاً ثابتة ، وأنّ الاستقبال التقريبي استقبال بالحمل الشايع العرفي ، وكلّما ابتعد الإنسان المصلّي عن الكعبة كان الحمل صادقاً مع زيادة في التسامح والتقريب ، وان لم يقتضِ ذلك مواجهة العين حقيقة ، بل قد يخرج خط المواجهة الدقّي عن الحرم المكّي كلّه ، ومع ذلك فالمواجهة والاستقبال العرفي ثابت . وهذا أمر عرفي غير خاصّ بالكعبة ، بل يشمل كلّ استقبال بعيد لأيّ

--> ( 1 ) وهي كون فهم ظواهر الكتاب والسنّة هو الفهم العرفي .